الثلاثاء، 11 مايو 2021

القصيدة الميّتة بقلم الأديب ~ مصطفى الحاج حسين ~


 /// القصيدة الميّتة ...


                            قصة : مصطفى الحاج حسين .


                لم أكتب من شهرين ، ليس من عادتي ذلك . كان لا يمرّ اسبوع ، دون أن أكتب قصيدة أو أثنتين .. ولكن لا عجب  ،  فما يحدث يبعدني عن الحياة كلها ، يخيّل إليّ أنّ قدوم الموت خير منقذ لي .. مشاكل كثيرة.. في كلّ جانب من حياتي ، تتطاول مشكلة وتكبر .. هل الموت هو الخلاص

 يبدو لي ذلك ، وبخاصة حين أرى أهلي الذين ترشحهم آمالي لمساعدتي يشكلون عصابة على زوجتي ، وحين تشكو أصبّرها وأواسيها :


- اصبري ياهيفاء ..تعرفين أنني لا أستطيع أن أتحداهم. 


- ولكن إلى متى ؟.. بعد أن أجن !؟.


- وماذا تريدينني أن أفعل ، هل تريدين أن نطرد من

الببت ، وتعرفين أنّ لا مال لديّ ؟!؟


- ومتى سيصبح عندك مالاً ؟ .. وأحوالك تزداد سوءاً ..؟


       أبتلع غصتي بصمتٍ :


- لا ذنب لي ياهيفاء ، حظّي سيء ، ألا ترين أنّ الفشل يتربّص لي وراء كلّ مشروع .


- أنتَ طوال عمرك ستبقى فاشلاً .. لأنّكَ لاتسمع كلامي .


- اسكتي ياهيفاء .. اسكتي .. كيف أسمع كلامك ؟! ..

أترين أن أبقى أجيراً عند الناس ؟ .


- على الأقل أفضل ، من كلّ مشاريعك ومخطّطاتك .


       وهنا أكاد أفقد صوابي .. وأصرخ :


- مابها مشاريعي ؟!.. إنها ليست فاشلة ، اسألي أيّ غبيّ في العالم ، هل يفضّل أن يبقى أجيراً ، أم يفتح دكاناً على حسابه ؟..


- ليس ذنبي أنا إذا الدكان لم تنطلق .. حوّلتها من عملٍ إلى آخر ، صرت " مسبّع كارات " ، تصليح غازات ، بيع أدوات كهربائية ، دهانات ، استدنت من التجار ، دينت الزبائن .. وصرت أعوي وراءهم ، ولا أحد يدفع لي .. والتجار يطالبونني بمالهم .


       حتى بيع الخضار لم أنسه .. وماذا كانت النتيجة ؟

.. خسارة كبيرة خلال أسبوع واحد .


     ويستمر الحديث ، وغصّة ملء الحياة تُنشب أظفارها في حنجرتي ، ومرارة تكبر في حلقي .


      حينها تنسحب هيفاء من الحديث .. فأشعل سيجارة وأطلب كأس شاي .


       فجأة تعود هيفاء للكلام .. وكأنّها سكتت لتستريح :


- هنا شطارتك فقط .. شاي ودخان وقراءة كتب .


       أشتم الشاي والكتب :


- أنتِ تعرفين من قبل الزواج حبّي للشاي ، وتعرفين أنّي شاعر ، وهل هناك شاعر لا يقرأ .. ؟! ، يكفي أنّ قراءاتي تكاد تنعدم ، ويكفي أنني منذ أكثر من شهرين لم أكتب أية

قصيدة .


- حمّلني السبب أيضاً .


- نعم أنت السبب .. عشرة أشهر ونحن متزوجان ، ماذا كتبت ؟؟!! .. ثلاث قصائد ؟ ..كنت أكتب أكثر من خمس قصائد في الشهر الواحد .


       وهنا يلذ لهيفاء أن تعيد أسطوانة السخرية :


- وماذا استفدنا من شعرك ؟؟.. أعرض كلّ قصائدك للبيع

.. لن يدفعوا لك قرشاً واحداً.


وأعود لأصرخ :


- هيفاء .. لم أعد أحتمل، إذهبي وأحضري إبريق الشاي .


       تذهب هيفاء ، وأبقى وحدي ، في غرفتي اليتيمة ، المفروشة بسرير وأريكة وخزانة وماكينة خياطة لهيفاء .. ومسجلة صغيرة . وأسأل نفسي :


- هل أخطأت في زواجي من هيفاء ياترى ؟.أكانت ' ناديا " أفضل ؟ .


       وأتذكر " ناديا " ، أمدّ يدي للدرج ، أستخرج جريدة

فيها قصيدة لها، مع صورتها .. أتأملها ملياً ، وأقرأ القصيدة بتلذذ وأغوص في الذكريات :


- ناديا.. أحبّكِ ، كتبتُ عنكِ أكثر من مائة قصيدة ، لقد خلّدتكِ ، أصبحتِ " ماتيلدا"  أو " إلزا " .


       وتبقى' ناديا " صامتة .


- ناديا .. أحبّكِ .. أرجوكِ تكلمي .


ترفع رأسها ، أبصر في عينيها قرارها النهائي: 


- شادي .. أنتَ تعلم أنّي مهندسة ، وأنتَ عامل وأهلي ..


       فأضع يدي على فمها ، أرجوكِ فهمت .. نفترق ، وجرحٌ بمسافة الأرض يفترشني :


- ستندمين ياناديا .. لن يكتب عنكِ سواي .


وأحتسي الشاي وأنا أفكر :


- هل أحبّ هيفاء حقاً ؟ .


نعم .. ويجب عليّ أن أحبّها .. لقد رفضت الكثيرين من أجلي ، منذ طفولتها وهي تحبني ، وظلّت تنتظر حتّى طلبتها هيفاء جميلة ، أجمل من نادية ..وأكثر طولاً ، لكن لو كانت تكتب الشعر ، أو تحبه على أقل تقدير .


       وتنام هيفاء .. أعرف أنها تضيق بنور المصباح .. ولكنّ رغبة شديدة في الكتابة تتملّكني .. هل سأفلح ؟.. بتّ أخجل من أصدقائي ، كلّما سألوني :


- هل من جديد ؟! .


      لكن مشكلة من نوع آخر ، تنبثق من داخلي ، صرت أخاف

 الكتابة .. بس إنّي حزين ولو كتبت قصيدة ، فسيأتي ناقد

ويقول :


- لماذا هذا الحزن والتشاؤم ؟!.. أكتب عن الفرح ،والأمل

، والوطن .


 ولكن أين الفرح ؟.. لا أستطيع أن أكتب إلّا عن تجربتي

.. وسيأتي آخر يقول :


- هذه قصيدة غنائية ، فلماذا لا تتحوّل إلى الكتابة الواقعية ؟! .


       ماأكثر توجيهات النقاد واقتراحاتهم ؟.. هذا يطالب بالواقعية .. وهذا بالغنائيّة .. وهذا بالبنيويّة .. وآخر بالسرياليّة ، وهذا يريد البساطة ، والثاني يريد التّصوير

وسواه يطالب بالتّرميز ، ولا يخلو الأمر ممن يطالب باستخدام الأسطورة ، هذا يقول :


- لماذا تهجر شعر التفعيلة ؟! .


       كلّهم متناقضون .. والكلّ يطالب ويتّهم :


- أكتب قصيدة طويلة .. فهي تساعدك على سبر أغوارك  القصيرة سهلة .


- أكتب بحساسيّة الثمانينات .


- تحدّث عن الجزئيات .


- لا .. بل عن الكلّيات .


- ضع الجمهور في حسبانك .


- ارتفع عن الجمهور .


- لا .. تتخلّى عن القافية .


- لا .. تقع في المباشرة .


- أكتب مثلي تكن شاعراً .


- لا تخالفني تنل النجاح .


       كيف لي أن أكتب ؟.. وكلّ هذه الأمور تدور في رأسي ؟! .


          هيفاء .. تتقلّب على السّرير ، ترفع رأسها بعض

الشيء .. تفتح عينيها قليلاً .. وتسأل :


- هل انتهيت من الكتابة ؟ .


- لم أكتب بعد .


- شادي .. أرجوك أن تطفئ النور .. ألن تذهب إلى الدكان باكراً ؟ .


- حسناً لن أكتب بعد اليوم .


           ينطفئ المصباح ، تنطفئ رغبتي في الكتابة .. ونشتعل أنا وهيفاء .. وتلوح لي ناديا ..فأذهب .. وأذهب بعيداً .. ولا أصل .


                           مصطفى الحاج حسين

                                      حلب





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق