الثلاثاء، 15 يونيو 2021

الأحشاء العارية بقلم الأديب ~ محمد الباشا ~


 قصة قصيرة 

العنوان/ الأحشاء العارية

= = = = = = = = = = = 

الفقر ما فارق دارنا ، بت قلقة على أولادي ، طالما زوجي أجده ساهراً يحمل الهموم ، حدثني ذات ليلة :

_ الرزق ليس له مفتاح سري الا التوكل على الله ، صراعي العنيف كل يوم معه لا اعرف منتهاه ، الفقر هجم عليّ بلا رحمة اهٍ كم اخشاه ، جفاف أصاب أرضي وعذب روحي والقلب قد أعياه ، همي الكبير أنت وأولادي كيف بمستقبلكم الذي كنت أرسمه لكم وأتمناه .

أجبته والوجع يعتصرني :

_ دع كل شيء للأيام ، أنت عليك السعي والباقي على رب الأنام ، سنصبر على ما كتب لنا في اللوح وبالأقلام ، ونحتسب الى الله لعل فرجه قريب فدعنا ننام .

كان صوت الحق يصدح من مسجد مجاور ، الغبش راح يودع ساعات الليل ، صياح الديك تكبيرة أخرى للتوكل على الله ، راح زوجي يشمر عن ثيابه للصلاة ، بعدها راح يدعو الله بالصحة والرزق الحلال ، قال لي :

_ لقد أوصوني أولادي في المساء ، هذا يريد شيئا وتلك تريد أشياء ، وعدتهم ان أجيب طلباتهم مهما كان العناء ، كوني قريبة من أولادنا ولا تتركيهم بلا اعتناء ، فانهم روحي وهم من زينة الحياة قالها رب السماء .

ودعته وانا اتمنى ان يرزق بخير كثير ، لأننا كنا قد نفذ منا الطعام .

ساعات النهار كانت على غير عادتها ، أطول مما كانت عليه ، صار أولادي يهمسون فيما بينهم ، وأنا اسمعهم ، قال أكبرهم :

_ أتعلمون أن أبي لم يبكيني في يوم ، ولا يغفو له جفن ولا يعرف النوم ، إلا وانا بلا زعل او هموم .

قالت أبنتي الوسطى :

_ أنا أبنته التي ليس هناك مثلها بين البنات ، وإني كنت أغفو عنده بكل الأمسيات ، ويقول لي ستبقين أنت جميلة الجميلات ، ولن يجرؤ أحد ان يزعجك ما دمت انا في الحياة .

صغيرهم راح يشاطرهم الفخر :

_ أنا ولده الحبيب الصغير ، لا يرفض لي طلباً وان كان كبير ، يأتيني كل يوم ويقول لي دعني انام عندك في السرير ، وأحضنه وأشم منه أجمل العبير .

أنا ارقب الساعة لأنها تجاوزت حدود عودته المعتادة ، القلق راح يصارع روحي ، اجفاني تهدلت من ثقل ادمعي ، الأولاد أنقضوا على بقايا ارغفة الصباح ، بدأت افكاري تركب ريح الخوف من المجهول ، الشمس ودعت أخر معاقلها ، جاء الموعد ولم يأتي الموعود ، تجمع أولادي أكفنا رفعت لرب السماء ، الكل راح يتنازل عن مطالبه لأجل سلامة عمود البيت ، توقفت الظنون لحظة فإذا برائحة زوجي تفوح عبيراً ، قاربه عاد خالياً رغم صراعه العنيف مع رزقه ، أنحناءة الفشل ظهرت عليه ، قال لي بحزن :

_ أستدررت ضرعاً جافاً فأنتهيت بالفشل ، تمنيت أن انال حظاً وافراً فلم أنل ، ليتني أدركت منيتي والأجل ، لمن بقيت وأولادي أمسوا بلا أمل ، فارغ اليدين أعيش حسراتي والعلل ، ليت ملك الموت اليوم عني قد سأل ، ولا رجعت خائباً أتغنى لما فات من عمري على الطلل .

قلت له :

_ الحمد لله على عودتك سالماً لي وللأولاد ، الرزق على الله فلا تقنط من رب العباد ، الأرزاق عنده والسعي لها جهاد .

أمسينا عائلة عارية الأجساد والأحشاء ، الجوع يفتش في أروقة أحشائنا عن لقمة منسية ، حزني الأكبر على زوج أمسى يكابد الآلام ، وأطفال ودعوا أمنياتهم البريئة ، بقينا نسابق أيوب على صبره ، ننتظر ( حاتم الطائي ) لعله يأتي بفرسه لينحره ويفرح الأحشاء الفارغة ، نتأمل يداً رحيمة تنتمي للأنسانية تطرق باب عوزنا ، مائدتنا هربت أرزاقها ، رائحة الخبز أختفت وراء نيران الفقر ، وبين أحلام التخمة السرابية ووسادة الجوع أنتهى يومي مثل أمسي كغدي؟!


بقلمي...محمد الباشا/العراق





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق