~ ~ الأرقام الهاربة ~ ~
يدخل كعادته المقهى صباحا يحتجز لجسده طاولة هناك في الزاوية الأخيرة للوحدة حيث الضجيج الملتحف بالصمت .
استل من جنباته سيجارة و نفث سحابة من الدخان سدلت على ركنه حجاب الرؤيا .
جرجر قلمه على بياض الورقة كتربة هذه الأرض الموبوءة بالصداع ، كان هادئا حدّ التجمد إلا من داخله المحشوّ بالصرع
كان كفارس جسور لكنه لا يعرف كيف يمنح شريان الوقت جبة المعنى و لا يدري كيف يلامس شىتّى الألوان بعينين من بلّور .
كمن يتخبط على سفينة تبحر عكس التيار ، ليرى وحش النهاية يركض نحوه .
يسأل كيف كبرنا ؟
لماذا لم يقترف الزمن نسياننا في مجرى الطفولة كما نسانا الليل في جوفه إلاّ من صحوة التثاؤب و السراب ؟
كيف يكون لي وجه مختلف لا تجيد المرايا القديمة قراءته ؟
كيف تعتليه هذه الخدوش و هذه التجاعيد الكثيرة دون أن يهيء لها رحلة نهاية للهرب من مناجل الوقت .
كان مسكونا بدم ايجابي سلبته عوامل التعرية على صفيح بارد يمارس فيه أرقام التقشف و علامات القسمة و الطرح على نحو مستمر .
فسخ الجزء العلوي من اسمه حتى صار شبيها بضمير مستتر مسترسل في الغياب تقديره هو
مهزوما إلا من حزمة النفاق و بركة الزيف التي تترصد غفوته في الأماكن اللا محدودة جغرافيا .
كمن كتب القصيدة في غفلة من الفراغ تحيّن اللحظة المسروقة من قمصان الوقت الملطخة باللهاث هربا من أسراب العقبان النابشة في الهياكل و من رموش الفصول المسروقة من رسمها .
فجأة دخل النادل على الخط بابتسامة صباحية عارية الا من الحقيقة قدّم له فنجان القهوة و انسحب في هدوء كبرقية مستعجلة .
كان مجيئ النادل كمن يسدد له سهما في الظهر ليبقى عالقا هناك في هذا السطر خلف سحابة الدخان يقضم الشرود وحيدا تحت صفعة الأرقام الممغنطة بالهرب .
~ طاهر الذوادي ~

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق