صفعة على حبات كرز
الساعة السابعة و النصف صباحاً، رن الهاتف فجأة ليوقظني من نوم عميق، وأنا الذي قلما كنت استيقظ في هكذا وقت، امسكته وعيني تساعدان بعضهما البعض في رفع جفني المطبقين من النعاس، رأيت مكتوباً فاطمة تتصل بك!!
فاطمة ابنة خالة ليلى!!!
ماذا تريد مني الآن!
تبادر إلى ذهني أنها مكيدة من مكائد ليلى التي إعتدت عليها أثناء كل خصاماتنا، هي تعلم أنني لن أجيب على اتصالها لذلك تعمد إلى الإتصال من رقم ابنة خالتها فاطمة، ثلاثة أيام و أربع ليال تلك التي فصلتني عن آخر لقاء مع ليلى يوم أن وشت لها إحدى صديقاتها عن جلوسي مع فتاة من الكلية في طرف الجامعة، الحقيقة لا أعرف إلى الآن ما هي أهداف هكذا فعل ساذج فعلته تلك الفتاة، يومها انطلقت ليلى إلى الموقع المحدد لها في الإخبارية التي تلقتها لتجدني أجلس مع سعاد، سعاد التي كانت زميلة لي في قسم اللغة العربية، كانت قد اتصلت بي كي أساعدها في إعداد حلقة البحث المقررة لها، لا أعرف حقيقةً إن كانت حلقة البحث هي الدافع الوحيد وراء إتصال سعاد بي، خصوصاً أنها أصرت على الجلوس في هذا المكان من طرف الجامعة، ومعروف عن ذلك المكان أنه ملتقى العشاق و الأحباب، ترددت قليلاً في قبول ذلك إلا أنني استجبت تحت تأثير إلحاحها الشديد، جلسنا لمدة لا تزيد عن رشفتين من القهوة لأجد ليلى تقف أمامنا على بعد أمتار بوجه لم اعهده عليها حتى في أقوى نوبات غضبها السابقة، تركت سعاد لألحق بليلى التي ركضت و دموعها تتناثر خلفها كحبات المطر لكنها رفضت الوقوف أو التحدث معي، تركتها لمعرفتي بها و بنوبات غضبها الشديدة التي تشبه ثوران البراكين المستعرة التي تنتفض بسرعة البرق و تهدأ بتلك السرعة، بعد مضي ساعتين من ذهاب ليلى إلى المدينة الجامعية حاولت الإتصال بها أكثر من مرة و أرسلت لها الكثير من الرسائل موضحاً و شارحاً لكنها لم ترد على أيٍّ منها، يومها أقسمت أغلظ الأيمان على ألا أحدثها ثانيةً، وشتمت نفسي آلاف الشتائم إن قلت لها مرحبا مرة أخرى، و توالت الأيام الثلاثة بلياليها الأربعة دون أن اصدفها في الكلية حتى دروس العملي الواجب عليها أن تحضرها تغيبت عنها، كل ذلك حدث حتى اتصلت فاطمة، عند رؤيتي لإتصالها لا يمكن لي أن أخفي الغرور الذي إنتابني بأنها ها هي عادت نادمة لأنها لا تستطيع العيش بدوني و لا أنا استطيع ذلك و مع تفكيري بجملتي الأخيرة تذكرت مئات الأيمانات التي حلفت و مثلها الشتائم على نفسي إن عدت، وقتها تحركت أصابع كبريائي لتقفل إتصال فاطمة لكنها عاودت الإتصال للمرة الثانية فأعدت فصل اتصالها ثانيةً، أرسلت بعدها رسالة تقول لي فيها أنا فاطمة أقسم لك انني فاطمة افتح الهاتف لنتحدث يا طارق، انتابني الفضول عن السبب الذي جعل فاطمة تتصل بي، رددت على هاتفها في المرة الثالثة لتقول لي أريد الالتقاء بك لأمر ضروري بعد ربع ساعة أمام مقصف كلية الآداب، ظننت وقتها أنها تشاجرت هي الأخرى مع خطيبها صلاح و تريد مني الدخول في صلح بينهما لطالما فعلت ذلك من قبل، بعد ربع ساعة كنت قد وصلت إلى مقصف كلية الآداب لأجد فاطمة تنتظري في طاولته الأولى قلت لها مرحبا و جلست لتفاجئني بقولها ثلاث خطوات كانت تفصلها عن الإنتحار، ربما للوهلة الأولى لم أستطع استيعاب ما قالته لي لكن دموعها المنهمرة من عينيها أعادت لعقلي ترجمة تلك الجملة لتكمل بعد لملمة نفسها قائلةً لم أكن لأتخيل أن ليلى تفكر في الإنتحار يوماً و بسببك يا طارق، لولا لطف الله أنني دخلت إلى الغرفة و امسكتها من يدها لا أعرف ما الذي كان ليحدث و هي على حافة نافذة الغرفة، هنا نسيت كل الأيمانات التي كنت قد حلفتها من قبل أو الشتائم التي شتمت بها نفسي ان إلتقيت بليلى مرة أخرى، وقلت لفاطمة أريد رؤيتها يا فاطمة، أعرف أنها لن تقبل لكن عليك أن تساعديني بتدبير حيلة صغيرة كخروجكما لشراء بعض الحاجات الغذائية لإعداد طعام العشاء، فعلاً توجهت فاطمة إلى السكن الجامعي و استطاعت إقناع ليلى بالنزول معها إلى ساحة السكن و هناك اتفقنا على اللقاء، ذهبت في تلك الأثناء إلى ساحة السكن منتظراً قدوم ليلى مع فاطمة و عقلي يفكر كيف سيكون اللقاء و أي نوع من الكلمات يجب أن أقول لها بعد كل تلك الجراح، بل لعلني تسائلت عن سبب إقدامها على الإنتحار، لم أستطع الوصول إلى جواب واضح حتى رأيت طيف ليلى تأتي من بعيد بمشيتها التي يرقص قلبي لها طرباً لولا أنها أقدمت على محاولة الإنتحار، وقفت أمامي و هي تنظر إلى فاطمة بعينها متوعدةً لها، قاطعت نظرتها موجهاً السؤال لها، لماذا حاولت الإنتحار، اجابتني بقوة لم اعهدها منها كي اقتل حبك في قلبي، رفعت يدي و صفعتها على خدها بقوة أ حقاً صفعت ليلى و أين على خدها، خدود الكرز الأحمر التي طالما تشاكسنا حول سبب احمرار وجنتيها فأنا كنت أقول لها بسبب انتشار بساتين الكرز في مدينتها الجبلية الجميلة قد احمرت و جنتاها من لون الكرز بينما تقاطعني دائماً لتقول لي أن ذلك لا علاقة له بساتين الكرز في مدينتها بل لأنها كانت تجلس لساعات طويلةٍ قرب المدفأة و تتعرض لحرارتها كثيراً، نظرت إليها بعد أن صفعتها لأراها ترمي نفسها على صدر فاطمة، ربما كان ذاك الارتماء عقوبة لي و هرباً مني، لملمت نفسي و طلبت من فاطمة أن تتركنا لوحدنا لدقائق ثم تعود، وافقت بعد أن طمأنتها أنه لن يحدث شيء، ذهبت فاطمة من أمامنا، أمسكت يد ليلى و قلت لها تعالي لنجلس و نتحدث، لم تعارض امساكي ليدها و لا أعرف السبب، فربما عرفت أن صفعتي بسبب الجنون الذي أقدمت عليه كانت محقةً، جلست بجانبها و بدأت أصيغ كلمات عربية كأنني أجنبي لم يحترف اللغة العربية من ذي قبل، سألتها اتريدين قتل حبي! و حبك ماذا أفعل به! أجابت بقليل من السخرية
تذهب و تتزوج تلك الصفراء؟
صفراء؟
ضحكت طويلاً و أنا أسأل نفسي من أخبر ليلى أنني أقول في نفسي عن سعاد بأنها فتاة صفراء،
أجبتها و من قال لك أنني أحب الصفراوات
ألم أخبرك أنني لن أتزوج إلا سمراء
ضحكت و همست بحروف خفيفة أحبك لامست بها شغاف قلبي،
تحركت على اثرها اصابعي لتمسك اصابعها بقوة و أنا أقول لها إلى الأبد يا كرز
و هي تردد إلى الأبد يا فستق حلب.
#محمود_أكتع

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق