الثلاثاء، 10 أغسطس 2021

إقلاق راحة بقلم الشاعر ~ مصطفى الحاج حسين ~


 إقلاق راحة ...


                     قصة : مصطفى الحاج حسين .


                   استطعتُ أن أنجو ، انطلقتُ راكضاً ، بعدَ أن تسللتُ على أطرافِ أصابعي ركضت،ُ بسرعةٍ جنونية

 يسبقني لهاثي ، يربكني قلبي بخفقانهِ ، يعيقُ الظّلام من سرعتي ، خاصة وأنَّ أزقتنا مليئة بالحفرِ وأكوامِ

القمامة .

        

          أخيرا وصلتُ ، على الفور أيقظتُ الشّرطة،تثاءبوا

  تمطّوا ، رمقوني بغضبٍ ، وحينَ شرحتُ لهم ما أنا فيه

أخذوا يتضاحكونَ ، سألني الرقيب :

  ـ هل أنتَ تهذي ؟!..


        أقسمتُ لهم بأنّي لاأهذي ، ولستُ في حلم ، بل ما أقوله حقيقة ، وإن كانوا لا يصدقونَ فعليهم أن يذهبوا معي ، ليشاهدوا بأعينهم ، وليشنقوني في حال كان كلامي )كاذبا .  


        لكنَّ المساعد المناوب ، أخبرني ، بعد أن تظاهر

 بالاقتناع :

 ـ نحن لا نستطيع تشكيل دورية للذهاب معك ، إلاً

بعد أن يأتي سيادة النقيب .


           وحينَ سألته ، عن موعدِ مجيءِ سيادة رئيس المخفر ، أجاب :

 ـ صباحا .. بعد التاسعة .


            ولولا خوفي الشّديد من رجالِ الشّرطة ، لكنتُ

 صرختُ بوجههِ :

ـ لكنّي لا أستطيع الإنتظار ، إنّ الأمرَ غاية في الخطورة .


                   كبحتُ انفعالي ، وسألته برقةٍ واحترام :

  ـ ألا يوجد هاتف في منزل سيادته ؟ ..


صاح المساعد ذو الكرش المنتفخة :

 ـ أتريد أن نزعج سيادته ، من أجلك أيّها الصعلوك ؟.!.

وتمنيت أن أرد :


        ـ أنا لست صعلوكاً ، بل مواطناً ، أتمتع بالجّنسية ،

 والحقوق كافة ، ولكنّي همست :


        ـ حسناً يا سيدي ، هل لك أن تدلّني على منزل

 سيادته ، وأنا أتعهد لك بالذّهاب إليه ، والحصول على

 موافقته بتشكيل الدّورية .


             وما كدتُ أنهي كلامي ، وأنا في غايةِ التهذيبِ

 والاحترام ، حتى قذفني المساعد بفردةِ حذائهِ المركونِ

 قربَ سريره ، وبصراخهِ المخيف ، قائلاً :


        ـ أنتَ لا تفهم ؟!.. وحقّ الله إنّكَ "جحِش " .. أتريد

 أن تذهبَ إلى بيته ؟!!.. يالشجاعتكَ !!!.. انقلع.. وانتظر

 وإياكَ أن تعاود ازعاجنا .. قسماً " لأحشرنك "بالمنفردة .


           جلستُ أنتظر ، لم أستطع الثّبات ، أخذتُ أتمشى

 بهدوءٍ شديدٍ ، عبرَ الممرّ الضّيق ، وأنا أراقب عقاربَ

السّاعة .. الدقيقة ، كانت أطول من يوم كامل ..


          وعناصر الشّرطة عادوا يغطّونَ في نومٍ عميقٍ ، اكتشفت أنّ جميعهم مصابونَ بداءِ الشّخيرِ ، صوتُ شخير المساعد أعلى الأصوات ، رحتُ أتخيّل مقدار قوّة الشّخير.عند سيادة النّقيب .


            تململتُ ، ضجرتُ ، يئستُ ، فقدتُ قدرتي على

 الصّبرِ ، فصرختُ :


  ـ يا ناس أنا في عرضكم ....


          رفعَ الشّرطي رأسه ، حدجني بعينينِ ناعستينِ ،

وزعقَ :

 ـ اخرس يا عديمَ الذّوق .


            خرستُ ، وانتظرتُ ، عاودتُ المشي في الممرِّ ، ومراقبةِ الثّواني ، دخّنتُ مالا يحصى من السجائرِ ، أحصيتُ عددَ بلاط الممرّ عشرات المرّات ، طالَ انتظاري ، تجدّدَ وتمدّدَ ، ضقتُ ذرعاً ، نفذ صبري ، وطلعت روحي ، اكتويتُ بنار الوقت ، قلقي يتضاعف ، فمرور الوقت ليس من صالحي ، عليّ أن أفعل شيئاَ .. هل أعود بمفردي ؟..


         لكن ، يجب أن يكون أحد معي ، شخص له صفة رسمية ، لكن ما باليد حيلة .. فخطر لي أن ألجأ إلى أخي ، فهو أقرب الناس إليّ .


              خرجتُ من المخفرِ خلسة ، هرولتُ ، ركضتُ ، وكنتُ أضاعف من سرعتي ، حتى أخذتُ الهث ، العرقُ يتصبّب.منّي غزيراً .


              قالت زوجة أخي " عائشة " ، بعد أن رويت حكايتي لأخي :

 ـ نحنُ لا علاقة لنا بالمشاكلِ .. عد إلى الشّرطة .


        خرجتُ من بيتِ أخي " عبدو " ، والدّموعُ تترقرقُ في عينيّ ، تذكّرت كلام المرحوم أبي :

 ـ الرجل الذي تسيطر عليه زوجته لا ترج منه خيرا .


            توجهت إلى أبناء عمي ، طرقت عليهم الأبواب ،

وتوالت الأكاذيب :

ـ محمود .. ذهب إلى عمله باكرا .


 ـ حسن  .. مريض ، لم يذق النوم .


وبخشونة .. قال ناجي  :

 ـ أنت لا تأتي إلينا ، إلاّ ووراءك المصائب . 


يونس ابن عمتي ، أرغى وأزبد ، أقسم وتوعد ، لكنه

 في النهاية ، نصحني أن أعود للمخفر ، حتى لا نخرج

على القانون .


             قررت أن أعود إلى حارتي ، هناك سألجأ إلى

الجيران ، قد تكون النخوة عندهم ، أشد حرارة من نخوة أخي ، وأبناء عمي ، والشرطة ، ولمّا بلغت الزقاق ،

صرخت :

-  يا أهل النخوة الحقوني .. الله يستر على أعراضكم .


        فتحت الأبواب بعجلة ، خرج الناس فزعين ، التفوا

حولي ، يسألوني ، وأنا أشرح لهم من خلال دموعي ،

لكن جاري  فؤاد ، أخرسني :


ـ نحن لا علاقة لنا بك وبزوجتك ... اذهب إلى الشرطة .


              عدت إلى المخفر ، وجدت المساعد ونفرا من

 العناصر مستيقظين ، واستبشرت خيرا ، حين ناداني :


ـ هل معك نقود أيها المواطن ؟.

ـ نعم سيدي .

ـ إذا اذهب وأحضر لنا فطورا على ذوقك ، حتى ننظر  في أمرك .


        دفعت معظم ما أحمل في جيبي ، تناولوا جميعهم

 فطورهم بشراهة ، تمنيت أن أشاركهم طعامي ، فكرت

 أن أقترب دون استئذان ، أليست نقودي ثمن طعامهم

 هذا ؟.!.. وحين دنوت خطوة ، لمحني المساعد واللقمة

الهائلة في فمه ، فأشار إلي أن أقترب ، سعدت بإشارة

 يده ، واعتبرته طيب القلب ، نسيت أنه ضربني ليلة

 أمس ، بحذائه الضخم ، وحين دنوت منه ، أشار :

ـ خذ هذا الإبريق واملأه بالماء .


           اشتعل حقدي من جديد ، اشتد نفوري منه ، ومن عناصره .


            ها هي الساعة تتجاوز الحادية عشرة ، ورئيس

 المخفر لم يأت بعد ، ولما اقتربت من المساعد  مستوضحا :


 ـ يا سيدي .. لقد تأخر سيادة النقيب .!

رمقني بغضب ، وصاح :

ـ لا تؤاخذه ياحضرة ، فهو لا يعرف أنك بانتظاره .


            في الثانية عشرة وسبع دقائق ، وصل النقيب ، هرعت نحو مكتبه ، لكن الحاجب أوقفني :

 ـ سيادة النقيب لايسمح لأحد بالدخول ، قبل أن

 يشرب القهوة .


        المدة التي وقفتها ، تكفي المرء أن يشرب عشرة فناجين من القهوة .. ولما هممت بالدخول مرة أخرى ، أوقفني الحاجب من جديد :


ـ سيادته لا يسمح لأحد بالدخول ، قبل أن يوقع البريد .


        انتظرت ... دخنت لفافتين قبل أن أتقد م ، لكن الشرطي باغتني بصياحه :


ـ سيادته لا يقابل أحدا قبل أن يطلع على جرائد اليوم .


          لاحت بالباب فتاة .. شقراء .. ممشوقة القوام ، لا

 تتجاوز العشرين ، عارية الفخذين ، والكتفين ، والصدر ،

 والظهر .. تضع نظارة ، وتحمل حقيبة ، تجر خلفها كلبا

غزير الشعر ، مثل خاروف .. نبح عليّ بوحشية ، راحت

تخاطبه بلغة لم أفهمها ، اتجهت نحو مكتب النقيب ،

انحنى الشرطي ، فتح لها الباب ، دلف الكلب للداخل ، ثم تبعته ، دوت في أذنيّ عبارة حفظتها :


ـ سيادته لا يسمح لأحد بالدخول ...


            لكنني مددت رأسي ، وحاولت الدخول خلفها ، جذبني الحاجب من ياقة قميصي ، وثب الكلب نحوي ، نابحا بعصبية واحتقار :


ـ سيادته لا يسمح لأحد بالدخول ، قبل أن ينصرف

ضيوفه .


           أدخل الشرطي إليهم ثلاثة فناجين من القهوة ، سألت نفسي :


ـ هل يشرب كلبها القهوة أيضاَ ؟؟؟!!!...


        طال انتظاري ، الضحكات الشبقة تتسرب من خلف

 الباب ، والشرطي في كل رنة جرس ، يدخل حاملا

كؤوس الشراب ، الشاي ، الزهورات ، المتة ، الكازوز ،

 الميلو ، الكاكاو ، وإبريق ماء مثلج ، وأخيرا .. دخل

حاملا محارم هاي تكس ، الضحكات تتعالى ، ونباح

الكلب يزداد ، كلما نظرت نحو الباب .


        تمنيت أن يفتح الباب ، ويطل عليّ كلبها ، حينها

 سأرتمي على قوائمه ، وأتوسل إليه ، ليكون وسيطاّ لي ،

 عند سيادة رئيس المخفر ، لكنني تذكرت ، فكلبها للأسف لا أفهم لغته .


             وبدون وعي مني ، وجدتني أهجم نحو الباب

الموصد ، أدقه بعنف .. وأصرخ :


 ـ أرجوك يا جناب الكلب ... أريد مقابلة النقيب .


            وما هي إلاّ لحظات ، حتى غامت الدنيا ، توالت

 اللكمات ، الرفسات ، اللعنات .................

والنباح يتعالى ... ويتعالى .. ويتعالى .


        وحين بدأ العالم يتراءى لي ، وجدت نفسي .. ملقى في زاوية الزنزانة ، غارقا في دمي .


                          مصطفى الحاج حسين .

                                   حلب ..





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق