الجمعة، 7 يناير 2022

الفراشات بقلم ~ الشاهين المقيد ~


 قالت لهُ: 

-ما السِّرُّ وارءَ تعلُّقكَ بالفراشاتِ؟

تتبعها من زهرةٍ إلى زهرةٍ وتقومُ بتصويرها ..

تعرفُ عنها الكثيرَ، أنواعها وأماكنَ تواجدها وماذا تفضِّلُ،

تتذكَّرُ كلَّ شيءٍ عنها  حتّى التَّفاصيلَ الصَّغيرةَ ..

وعندما تصادفكَ إحداها تنسى نفسكَ وتبدأُ حديثاً مفصَّلاً عن حياتها ونوعها وتتحوُّلُ إلى معلّقٍ في برنامجٍ يتحدَّثُ عنِ الحياةِ البريَّةِ ..

اقتربَت من الفراشةِ مجبرةً إيَّاها على الطَّيرانِ.

نظرَ إليها ..

ثمَّ ضحكَ وأردفَ قائلاً:

-أراكِ وجدتِ منافسةً تغارينَ منها؟

أجابت بنبرةِ اللَّامبالي:

أغارُ من حشرةٍ؟! 

فقطِ اهتمامكَ بها يستفزُّني ..

تذكُّركَ لكلِّ شيءٍ عنها ومطاردتها هنا وهناك، كأنَّها نجمةٌ مشهورةٌ تجهدُ في محاولةِ التقاطِ صورةٍ مثاليَّةٍ لها.

ضحكَ من ملامحِ وجهها الجادّةِ في غيرتها منَ الفراشةِ

وقال:

-الفراشةُ كائنٌ قويٌّ ومحاربٌ برغمِ ما يوحي منظرها المسالمُ الجميلُ أو الهشُّ كما يسمِّيهِ البعضُ.

تقضي معظمَ حياتها زاحفةً ثمَّ سجينةً ..

ثمَّ حرَّةً لبضعِ أيامٍ فقط.

انتفضت غاضبةً وقالت:

-أرأيتَ؟

لقد بدأتَ ..

لم يتمالك نفسهُ هذهِ المرَّةَ وانفجر ضاحكاً منها وقال:

-ماذا لو عرفتي الأسطورةَ وراءَ هذا الكائنِ الجميلِ؟  

أجابتهُ بنبرةٍ نفخت فيها الغيرةُ ناراً وجليداً معاً: 

-لا أهتمُّ.

وشبكت ساعديها وجلست على كرسيِّ الحديقةِ.

قال لها:

-إذا لاداعي لإضاعةِ الوقتِ ..

سأكملُ ماكنتُ أفعلهُ.

وراح يبحثُ عنِ الفراشةِ وهوَ يقولُ:

-أينَ أنتِ أيَّتها الجميلةُ؟

صرخت خلفهُ:

-سأستمعُ لحكايتكَ. 

أحبُّ حديثكَ وطريقةَ سردكَ للكلماتِ على الرَّغمِ من أنِّي أغارُ من أيِّ شيءٍ أو أيِّ كائنٍ توليهِ اهتمامكَ ..

كتبكَ، قصائدكَ، فريقَ كرةِ القدمِ ..

وفراشاتكَ ... و ... وو 

وضعَ إصبعهُ على شفتيها المتوقِّدتينِ وقال:

-صَه ..

لم أدرِ أنَّ قائمةَ المنافساتِ لكِ طويلةٌ لهذهِ الدَّرجةِ.

مجنونةٌ أنتِ حتَّى تساوي نفسكِ بأيِّ كائنٍ أوحتَّى شيءٍ؟!

لأجلكِ أكتبُ القصائدَ، وأراكِ في كلِّ فراشةٍ أصادفها.

أنتِ اللَّمسةُ الجميلةُ في عالمي فلا تقلقي، وتعالي أحدِّثكِ حكايتي. 

هدأت وجلست قربهُ .. 

مايهمُّها هوَ أن تكونَ معهُ ..

وبدأ قائلاً:

-في أرضٍ بعيدةٍ .. في غابةٍ قديمةٍ .. 

كانت تعيشُ سبعُ فتياتٍ في بيتٍ بعيدٍ، لايخالطنَ أحداً، مكتفياتٍ بذاتهنَّ. 

كانت كلُّ واحدةٓ تبرعُ بشيءٓ وتتقنهُ:

إحداهنَّ تحبُّ زراعةَ الخضرواتِ، وأخرى تعشقُ زراعةَ الوردِ، والثَّالثةُ تحبُّ الرَّسمَ، والرَّابعةُ نسَّاجةٌ محترفةٌ، أمَّا الخامسةُ فكانت تمتهنُ التَّطريزَ على الحريرِ، والسَّادسةُ كانت حالمةً جداً، تهوى صناعةَ الطَّائراتِ الورقيَّةَ وتملأُ بها المكانَ، والسَّابعةُ كانت تحميهنَّ لأنَّها محاربةٌ قويَّةٌ. 

لم يشفع لهنَّ بعدهنَّ عنِ البشرِ ..

لطالما كانتِ الشَّائعاتُ تدورُ حولَ سبعِ ساحراتٍ يسكنَّ مجاهلَ الغابةِ، وهنَّ السببُ بكلِّ شرٍّ يحدثُ لأهلِ المملكةِ.

وفي يومٍ منَ الأيَّامِ قرَّرَ الملكُ إرسالَ حملةٍ عسكريَّةٍ للبحثِ عنِ السَّاحراتِ ومعاقبتهنَّ. 

وبالفعلِ، تمكَّنَ الجنودُ من حصارِ المنزلِ وحرقهِ بمن فيهِ. 

وبعدَ شهورٍ تحدَّثَ كُّل من جابَ الغابةَ عنِ انتشارِ أكياسٓ حريريَّةٍ على أغصانِ الأشجارِ، خرجت منها مخلوقاتٌ طائرةٌ بكلِّ الألوانِ، واجتمعت فوقَ رمادِ المكانِ.

قالت وهيَ منبهرةٌ بالحكايةِ:

-أتقصدُ أنَّ أرواحَ الفتياتِ تحوَّلت إلى فراشاتٍ؟!

أجابها:

-نعم.

ولكنَّ كلَّ فراشةٓ تحملُ سبعةَ أرواحٍ.

تولدُ الفراشةُ زاحفةً تتغذَّى على أوراقِ النَّباتِ، ثمَّ تتحوَّلُ إلى شرنقةٍ حريريَّةٍ، وبعدها تتمايزُ إلى كائنٍ ملوَّنٍ جميلٍ يمتلكُ أجنحةً، ثمَّ تطيرُ ..

-إذاً هيَ أرواحُ الفتياتِ السَّبعِ مجتمعةٌ بهذا الكائنِ الأسطوريِّ؟! 

صمتت برهةً وقالت:

-قصَّةٌ رائعةٌ، ولكن هذا لايعفيكَ .. 

كانت واحدةً وصارت سبعةً ... 

وأخذت تطاردُ الفراشاتِ وهوَ يراقبها مبتسماً ..

ويحدِّثُ نفسهُ أنتِ كالنُّورِ السَّاطعِ، وأفعالكِ كالخيوطِ التي يبنيها العنكبوتُ حولهُ ليوقعَ بفرائسهِ. 

رغمَ كثرتها ولكنَّها لا تغطي بهاءَ النُّورِ بل تزيدهُ فتنةً ...


الشاهين المقيد

الصورة بعدسة المبدع طارق قبلان

اهداء إلى كل عشاق الفراشات



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق