السبت، 8 يناير 2022

أوراق القيقب بقلم ~ الشاهين المقيد ~


 في حديقة مابل ليف فوريفر   الجذابة   بمدينة تورينتو الكندية 

يجلس شاب على أحد المقاعد الخشيبة وبيده أوراق بيضاء كبيرة وقلم رصاص  على مايبدو أنه رسام أو يدرس الرسم

فالوقت مناسب جداً للإيحاء بمواضيع رائعة تكون مشروعاً للوحة مميزة 

إنه الخريف ... وللخريف على هذه الأرض حكايا أخرى 

فأوراق القيقب لوحدها لوحة متكاملة 

وعلى الممر المقابل هناك شخص يجمع الأوراق من على المقاعد والممرات 

يبدو رجلاً في بداية عقده السادس وتلوح في طيات ملامحه أصوله العربية 

كان يعمل ويدندن بأغنية تراثية عربية 

مماأثار فضول الشاب  ... فهو عربي أيضا 

حمل أوراقه وجلس على المقعد المقابل لمكان عمل الرجل 

وبدأ يحدثه بلغة عربية ويسأله عن حاله ومن أين هو 

اتضح أنه عربي مهاجر إلى كندا من سورية مدينة حمص 

والشاب من دمشق مقيم مع أهله ويدرس في كلية الفنون 

 وبعد أن تعارفا جلس الرجل قرب الشاب  وبدأا يتحدثان 

سأله الرجل  أتحب الفن  أم هو اختيار فرض عليك 

أجاب الشاب لا ... أنا أحب الرسم  ولكني في الأونة الأخيرة مصاب بحالة جمود غريبة 

أعجز عن إكمال أي شيء أبدء به 

خرجت إلى هذه الحديقة ... لعل مناظر الطبيعة ومايفعله  الخريف ( تشفيني ) من حالتي 

نظر الرجل حوله وقال 

 هذه اللوحة الطبيعية  شفاء للعين والقلب 

وهذه الحديقة مميزة جداً

سأله الشاب ولمَ هي مميزة 

أجاب أتدري لما سميت بهذا الاسم  مابل ليف فوريفر 

قال الشاب لم أسأل مرة عن سبب الاسم مع أني أزورها بإستمرار 

قال الرجل سميت الحديقة بهذا الاسم نسبة  لأغنية ألكسندر موير  الذي ألفها سنة 1871

مستلهما إياها من شجرة قيقب فضي  

والحديقة أنشئت عام 1933 بنفس اسم الأغنية 

حول المنزل والشجرة التي دمرتها عاصفة  رياح قوية سنة 2013 وكان عمرها حوالي  150 عاما 

نظر الشاب بذهول محدقاً بوجه الرجل وقال هل أنت أستاذ تاريخ 

ضحك الرجل وقال لا  ولكني أحب معرفة تاريخ الأماكن التي أعمل بها 

وسأقدم لك نصيحة .. إذا أردت أن تنجح في مجالك عليك أن ترسم  بشعور 

أن تضع جزءا من روحك في اللوحة ...  

الرسم ليس خطوطا وألونا وأشكالا نطبعها على ورق  أوقماش 

الرسم فكرة وجزء من روح الفنان 

 عليك أن تُلمَ بكل أفكار موضوعك  

الفن توثيق لحظة من تاريخ مكان ما .. حدث ما 

شعور ما

الفنان راوٍ ومؤرخ قبل أن يكون رساماً

الخريف في هذه البلاد لوحة ربانية  ... كاملة لاتشوبها شائبة 

لطالما كان الخريف بالنسبة لي فصل الهدوء ومراجعة الذات  والتأمل في هذا الخلق 

عندما يصف أحد الخريف تأخذ الكلمات منحنى يوحي بإحساس يمكن وصفه بكلمتين .. بداية النهاية 

يقال .. خريف السنة .. خريف العمر  .. تساقط الأوراق موت الألوان 

وينسى الجميع أنه فصل النضوج 

 وأن كل مايتساقط سيحل مكانه شيء جديد 

إنه فصل التجديد 

أما انا فأرى الخريف من بعد آخر 

شاب ناضج  ... فنان مبدع 

يمتلك ريشة سحرية ونظرة تجريدية تبدع في رسم لوحات رائعة  يعرضها في صالة أيلول وصالة الأخوين تشرين 

في الخريف يهدأ صخب الصيف وتأخذ الطبيعة فرصة لتهدأ وترتاح استعدادا لفصل الشتاء 

سكت برهة وأكمل مع تنهيدة عميقة

وللخريف قصة أخرى في قريتي 

فلمسته السحرية تطال كل السهول وتبدع في رسم لوحات رائعة 

ولكن اللوحة الأروع التي تتميز صالة أيلول بعرضها حصريا 

لوتس أيلول  هكذا أسميتها 

هناك على طرفي سكة قطار قديمة تظهر في بداية أيلول زهور صغيرة غاية في الجمال تشبه أزهار اللوتس ولكن دون أوراق ولا أحد يدري لمَ تظهر هذه الزهور  بهذا الشكل وفي هذا الوقت .. مع أنها ذروة موسم الجفاف 

ربما هي زهور مغرورة فعوقبت بأن تزهر وحيدة في بداية الخريف بدلاً من الربيع 

أو أنها تزهر في هذا الوقت من كل عام في ذكرى قطار غادر ولم يعد وماتزال السكة ترقبُ عودته .

وفي كلتا الحالتين تلك الزهور  هي اللوحة الأجمل في صالة العرض 

أنهى حديثه وقام يتابع عمله ويدندن أغنيته 

وترك الشاب  يغرق في حيرته والريح تغزل أوراق القيقب أوشحة تغطي معالم المكان كأنها تخبؤها من صقيع الشتاء


الشاهين المقيد



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق