الأحد، 11 أكتوبر 2020

رواية ( ملح السراب ) بقلم الشاعر مصطفى الحاج حسين


 /// الفصل التاسع من روايتي ( ملح السّراب ) :

===============================


 ##                              -1- 


      استدعى الشّيخ " حمزة  " حفيده " لطّوف " ، وطلبَ أن يجتمعَ بهِ على انفرادٍ ، وقفَ " لطّوف " أمامَ جدّهِ منقبضاً ، فلجدّه هيبة عالية .


       تمعّنَ الجّدُّ بحفيدهِ بدقٌةٍ ، فأحسَّ " لطّوف " بالعريّ أمامَ نظراتِ الكهلِ الثّاقبة ، واعتقد أنّ الجّدّ سوف يحاسبهُ على أفعالهِ السّيّئةِ ، الّتي ذاعَ صيتها في كلّ مكان ، لكنّه قرّر أن يكذّب كلّ التّهم الّتي سيواجهه بها جدّهُ . قال الجّدّ :

- أَمَا آنَ لكَ أن تعقلَ يا " لطّوف " ؟ .


أطرقَ الحفيد برهةً ، ثمّ همس بصوتٍ مرتعشٍ :

- جدّي .. كلّ ماسمعته عنّي كذب وافتراء .


رمقهُ المسنُّ بنظرةٍ صارمةٍ ، وصاحَ :

- أنا أعرف كلّ شيءٍ عنكَ يا مقصوف العمر .. فلا 

داعي للكذب .


       تقدّمَ " لطّوف " خطوة من جدّهِ ، دمدمَ :

- صدّقني يا جدّي ... أنا تبتُ منذ زمنٍ عن ارتكاب

المعاصي .


          غابت الحدّة عن كلامِ المسنِّ ، تحوّلَ صوتهُ إلى ما يشبه الهمس :

- أنا أريد مصلحتكَ يا " لطّوف " ... إنّ ساعتي اقتربت ، ويجب أن تأخذ عنّي الوكالةَ ، عليكَ أن لا تضيّع هذا الجّاه ،كلّ النّاس سيكونونَ تحتَ إمرتكَ

فقط تعقّل ، وتطيلَ لحيتكَ ، وتبدأ بالتّردّدِ على الجّامع .


       قال " لطّوف " الذي أدهشه هذا القول :

- ولكن يا جدّي ... أنا لا أصلح لها ، كلّ النّاس فقدوا ثقتهم بي .


     قذفَ المسنُّ سبحته من يدهِ ، وصفعَ " لطّوف " بنظرةٍ غاضبة :

- أنتَ لماذا لا تريد أن تفهمني ؟! .. قلتُ لكَ أطِل لحيتكَ ، وتردّد على الجّامع ، وسرعانَ ما تعودَ إليكَ ثقة أهل البلدة ، فأنتَ ابن أسياد ، من اليوم عليكَ أن تجالسني كلّ يوم ، حتّى تتعلّم منّي كلّ شيء .


        جلسَ قبالة جدّه الهرم .. وهتفَ :

- جدّي ... أنا أفكّر أن أعمل في التّجارة .


حملقَ الجّد بحفيدهِ ، ثمّ أشاح وجهه المتجعّد ، ذا

اللحية البيضاء :

- أنتَ غبيّ .. عملنا يدرّ علينا ذهباً ، والتّجارة قابلة

للخسارة .

                                    -2-


             عندما ماتَ الشّيخ " حمزة " ، كانَ جميع أهل بلدة " الباب " ، يعرفونَ أنَّ حفيده " لطّوف " هو خليفته ، فقد منحه جدّهُ الوكالة ، أمام كلّ النّاس ، في الجّامع " الكبير " ، بعد صلاة الجمعة .

                                -3-


           تماثلَ وجه " مريم " للشفاء ، من الحروق التي سبّبها إبريق الشّاي السّاخن يوم سقط فوقها ، لكنّ الصّداع الهائل لم يفارقها ، بل كان يتضاعف ويزداد كلّ يوم ، و مريم تشكو من الألم الفظيع 

تبكي ، وحين حازت على اشفاق الجّميع ، قالت جدّتها " الحاجّة ربّوع " :

- علينا أن نعرضها على سيدي " لطّوف " فهو من أولياء الله الصّالحين .


فوافق الأهل على كلام " الحاجٌة " ، وهكذا أمر الأبّ ابنه " رضوان " أن يذهب إليه ، ويرجوه الحضور .


           منذ اللحظة الأولى لدخول صاحب الكرامة " لطّوف " ،وبعد أن رمقَ " مريم " بنظرة مستعجلة

أمر الجّميع بالخروج من الغرفة ، فتركوه مع

" مريم " .


       طلبَ منها الاقتراب منه ، امتثلت لأمره، وضع يده على جبينها ، حدّق في عينيها الجزعتينِ ، ثمّ حوّلَ يده إلى خدّها ، راحَ يتمتم بتراتيل مبهمة ، عادت يده لتمسحَ رأسها ،طلبَ أن تخلعَ عنها غطاء

الرّأس ، ففعلت ، راحت يده تمسّد شعرها الفاحم ، أخذت عيناه تشعّانِ ، زحفت كفّهُ إلى عنقه، تأوّهت

" مريم " إذ ما زالت آثار الحروق تؤلمها ، أخذت أصابعه تجسّ كتفيها ، تصاعدت دمدماته :

- هل يؤلمكِ رأسكِ ؟ .

هزّت " مريم " رأسها .  عاد يسأل :

- هل مازالت الحروق توجعكِ ؟ .

كرّرت هزّ رأسها ، لكنّ دموعاً حبيسة من عينيها بدأت تنسكب .

- إذاً مرّغي خدّيكِ بلحيتي .


         دهشت " مريم " ، تراجعت ، فصاح :

- مرّغي خدّيكِ بلحيتي ، فلحيتي مباركة .


           اقتربت الصّبية ، لصقت خدّها بلحيته الضّخمة ، ألصق لحيته بخدّها أكثر ، امتدّت يداه تحتضنانها بعنفٍ ، اشتعلت النّار داخل عينيهِ ، دمدم :

- هل يؤلمكِ نهداكِ ؟ .

بهزّةٍ من رأسها نفت هذه المرّة .

- هل أنتِ متأكّدة ؟ .

- نعم .

ارتفع صوته المبحوح أكثر :

- هل أنتِ متأكدة ، أم أنّكِ لا تعرفين ؟ .


     همست " مريم " والخوف قد سيطر على كامل وعيها :

- لا أعرف .


     امتدّت يده إلى نهدها ، تكوّرت كفّه فوقَ النّهد ، راحت أصابعه تهرس الحلمة ، كان النّهد ليّناً،دمدم

َ لاهثاً :

- افتحي أزرارك .

تطلّعت إلى عينيهِ الجّمريتين .

- قلتُ لكِ افتحي الأزرار .


       برزَ الصّدر الأسمر ، هرعت أصابعه المتوقّدة لترفع الحمّالتينِ ، تأرجح النّهدان ، قبضت يداه الحارتانِ الرّاعشتانِ عليهما ، اندلعَ اللهب من عينيه

ِ وسرت رجفة في أوصالِ " مريم  " ، حينَ أبصرت وجهه يستطيل ، همهمَ وقد اتّسعَت بُحّة صوته :

- هل توجعكِ بطنكِ ؟ .

- لا .

رفعَ يديهِ عن النّهدينِ ، قال بحزمٍ :

- تمدّدي أمامي .

تجرّأت " مريم  " لتهتفَ :

- قلتُ لكَ بطني لا توجعني .


    تراجعَ قليلاً .. تجهّمَ وجههُ ، تقلّصت لحيته وهو يصيح :

- قلتُ لكِ تمدّدي .

تمدّدت كالميّتةِ ، أسرعت يداه لتكشفانِ الثّوب عن بطنها :

- لماذا ترتدينَ هذا البنطال ونحنُ في عزِّ الصّيف

؟! .


لم تردّ عليه ، لم ينتظر جواباً ، تابع رفع الثّوب ، ظهرت البطّن ، تسابقت أصابعه لترفعَ القميص الدّاخلي ، يده تتمرّغ على البطن وتعصرها ، عَلَت دمدماتهِ :

- اللهمّ أرح هذه البطن من الألمِ ، اللهمّ أرفق بهذه

النّعومةِ ، بهذهِ الفتنةِ والسّرّةِ ، اللهمَّ مكّني من مساعدتها فهي عزيزة على قلبي ، اطرد عنها الجّنّ والعفاريتَ والشّياطينَ والأبالسة أولاد الكلب ، اللهمّ أرحني ، فأنتَ على كلِّ شيءٍ قديرٍ .


                                     -4-


   عندما سمحَ صاحب الكرامة لأهلِ مريم بالدّخولِ 

كانَ قد تربّعَ فوقَ اللبّاد وأمسكَ بسبحتهِ .


       سارعت أمّ  مريم " لتسأله :

- خير ياسيدي الشّيخ .. طمّني ؟ .

ابتسم صاحب الكرامة ، نظر صوب مريم  المصفرّة

الوجه ، دمدمَ بعد أن مسّدَ بأصابعهِ على لحيتهِ المشوبةِ بالاحمرار :

- إن شاء الله خير ، لا تقلقي ، أريد فقط أن أبيّت لها حتّى أتأكّدَ ، لهذا أريد شيئاً من أثرها ،كي أضعه 

تحت مخدّتي عند نومي .

قالت " الحاجّة ربّوع " :

- أعطهِ غطاء رأسكِ يا مريم  .

هتفَ صاحب الكرامة بسرعةٍ :

- غطاء الرّأس لا يصلح ياحاجّة .

سألَ الأب باستغراب :

- لماذا لا يصلح ياسيدي ؟! .

- لأنّني أريد قطعة من ثيابها تكون ملتصقة بجسدها أكثر ، ويجب أن تكون هذه القطعة نجسة ، لأنَّ الجّنَّ والعفاريتَ والشّياطينَ والأبالسةَ

أعوذُ بالله من ذكرهم ، لا يوجدونَ إلّا في الأماكنِ النّجسة والحقيرة .

صاحت الأمُّ :

- دستور من خاطرهم ، دستور يارب .

تابعَ صاحب الكرامة طلاسمه :

- أريدُ سروال " مريم  " ، فهو أفضل شيء( للاستخارة ) .

                                   -5-


       قبلَ وصول صاحب الكرامة ، طلبت مريم من

أمّها وجدّتها أن لا يتركاها معه بمفردها .

قالت الأمُّ :

- صاحب الكرامة لا يقبل أن يتركنا معكِ .

وأجابت الجّدة " ربوع " :

-  الجّن والعفاريت والشيّاطين والأبالسة ، لا يظهرونَ لسيّدنا " لطوف ' إن بقينا معكِ .


             أرادت مريم أن توضّح لهما عن أسباب مخاوفها :

- سيّدنا " لطّوف " له حركات مخيفة .

صاحت الحاجّة " ربّوع " :

- طبعاً .. هكذا هم أولياء الله الصّالحين .


       أدركت مريم أنَّ أمّها وجدّتها ، لا تستوعبانِ ما

تقصد ، لذلك عزمت على المكاشفة أكثر :

-  سيّدنا " لطوف " ليس من أولياء الله الصّالحين .


           ذعرت الأمّ من هذا القول ، وصاحت الجّدةُ بغضبٍ شديدٍ :

- اللعنة عليكِ ياقصوفة العمر ، أنتِ تكفرينَ ، قولي

دستور من خاطره ، قبل أن يفلجكِ ، سيّدنا  لطّوف 

ابن أسياد .


اقتربت الأم من ابنتها ، وهمست :

- قولي يا ابنتي أعوذ بالله من الشّيطان الرّجيم ، ولا تعودي لمثل هذا الكلام ، سيّدنا " لطّوف " قادر على مسخنا جميعاً .


                                      -6-


       وصل صاحب الكرامة " لطّوف " ، كان عابساً ،

استقبلته العائلة بقلقٍ وخوفٍ ، قال الأب " الحاج محمد :

- خير ياسيدي .. لقد شغلتَ بالنا ؟! .


      تضاعفَ تجهّم وجهه ، تسارعت أصابعه  بتلقّفِ حبّات سبحتهِ ذات المئة حبّة ، نظر صوب مريم  المنكمشة على نفسها عند الزّاوية ، وقال :

- مريم  أحرقت ابن ملك الجّنِّ الأحمر ، يوم أسقطت إبريق الشّاي ، وهذا ما جعل ملك الجّنّ الأحمر ، أن يقسم على الانتقام من ابنتكم " مريم .


       ندّت عن مريم  صرخة ذعر رهيبة ، توجّهت إليها الأبصار بفزعٍ عظيم ، كانت ترتعش ، فكأنَّ خوفها قد تحوّلَ إلى موجةِ بردٍ قارسة .


       صاح صاحب الكرامة وهو يحاول النّهوض :

- اخرجوا من الغرفةِ ، ودعوني أعالجها .


                        مصطفى الحاج حسين .

                                   حلب



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق