اللّوحة الكنز
كان جدّي رجلا غنيًا؛ متقدّما في السنّ، لكنّه أنيق ومثقّف ثقافة عالية، يحبّ جدّي ارتداء البدلات الغالية الثّمن وربطات العنق الفاخرة، يضع في جيبه ساعة جيب سويسرية ثمينة تتدلّى منها سلسلة من الذّهب الخالص تشدّها إلى جيب البذلة، كان يدخن السّيجارـ ويتكلّم بثقة في النّفس كالبارونات في الزّمن الغابر، لكن هذه التّفاصيل ليس لها أهمية لاستمرار القصة.
كان جدّي مولعا بالرّسم ويرتاد المزادات العالمية التي تعرض فيها اللّوحات الزّيتيّة المشهورة للبيع.
يملك جدّي لوحات ثمينة، لرسّامين مشهورين تتمنّى أعرق المتاحف اكتسابها. ويحافظ على هذا الكنز ولا يكشف عنه لأحد، يعلّق لوحاته على جدران متحفه الخاص بعناية شديدة.
وقد تعلّم كيف يحافظ على بريق ألوانها، وسلامة خشب أطرها النّادرة، والقماشة التي رسمت عليها" التوال"؛ كما تعلّم كيفيّة ترميم ما شوّه منها.
ممّا يثير العجب انّ جدّي قد بنى للوحاته قاعة مدرّعة هو الوحيد الذي يعرف رمز فتح بابها" أي كلمة السرّ" التي تمكنه من فتح الباب، ولا أدري لماذا يذكّرني هذا بقصّة علي بابا والأربعين حراميّا.
ومن بين هذه اللّوحات الثّمينة لوحة " طفل الجيوبوليتيك" لكنّها تختلف عن اللّوحة الشّهيرة
"طفل الجيوبوليتيك " للفنان سلفادور دالي بأنّ هذا الطّفل هو طفل أنابيب مستنسخ، زنجيّ سيولد سنة 3050، وسيجعل من القارّة الإفريقيّة سيّدة للعالم المستقبلي؛ وسيكون جنوده من القردة المجنّحة التي تطير في الفضاء بسرعة مذهلة، ولها قدرة قتاليّة عجيبة، فهي تملك أسلحة بيولوجيّة في أدمغتها المبرمجة، تستشعر مراكز العدو بواسطة لاقطات للصّوت نابتة بمقدّمة رؤوسها.
علّق جدّي بجانب هذه اللّوحة صورة كنت رسمتها وسنّي خمس سنوات، لا أدري لماذا؟
الصّورة رسمت فيها سلحفاة تحلّق بأجنحة عجيبة، وكانت ردّة فعل على السّلحفاة التي حملها صديقاها وهي تمسك بالعصا بفمها، وعندما فتحت فمها كانت نهايتها تعيسة، وكنت بكيت بمرارة لموتها.
لكن يمكن أنّ جدّي قرأ الصّورة قراءة مختلفة لذلك حافظ عليها.
اللّيلة احتفلت أنا وجدّي بعيد ميلاده السّادس والثّمانين، وبعد إطفاء الشّموع وتناول الحلوى، مسكني من يدي ونزلنا إلى الطّابق السّفلي لزيارة اللّوحات الزّيتيّة.
كنت الوحيد المسموح له بزيارة هذا المكان. تجوّلنا داخل القاعة وتوقّفنا أمام العديد من اللّوحات وأخيرا توقّفنا أمام لوحة" طفل الجيوبوليتيك" فجأة شهدت المشهد يتحرّك والألوان تشعّ والحرارة تسري في الأجساد وجدّي ينقلب خلقه وتنبت له أجنحة طيلة سدّت مدخل القاعة وسقطت أنا على الأرض وقد نسيت كلمة السرّ لفتح باب القاعة، شعرت بالاختناق حين تكدّست حولي الأوراق النقديّة التي تساقطت من ثقب في السّقف وملأت القاعة...
{ راضية قعلول، مجوعة القصص القصيرة التي يمكن أن يقرأها الطّفل وهو يتناول لمجته}

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق