الجمعة، 4 مارس 2022

صباح القتل بقلم الشاعر ~ مصطفى الحاج حسين ~


 قصة : صباح القتل 


           يغلق الباب خلفه ، يدلف إلى الشّارع المعتم ،

تصفعهُ حبّات المطر ، تخترقُ صدره سهام الرّياح ،

يزرّ سترتهِ ، لا وقتَ لديهِ ليحضر المظلّة ، تتضاعفُ

نقمته على امرأتهِ، يسارعُ الخطا محاولاً الاحتماءَ

بالشّرفاتِ ، الشّارعُ طويلٌ ، وعليهِ أن يسرعَ ، يهرول

َ يغوصَ في المستنقعاتِ … لا يعبأ بالوحّل :


– (( لن أسامحك يا يا “فاطمة ” …لا تهتمينَ بإيقاظي

 رغم وجود المنبّه )) .


     لهاثهُ وانفعاله يحدّانِ من قسوةِ البردِ ، لكنّ المطرَ

الشّرسَ منهمكٌ بإغراقهِ :


– (( سيذبحني الجّوع .. ولم تحضّر لي الزّوادة )) .


          تتغلغل حبّات المطر إلى يباسِ عمرهِ ، تنسابُ

كأفعى تلدغهُ بوحشيّةٍ :


– (( مطمئنة … تعودينَ إلى نومكِ ، حيثُ لاأضايقكِ

برغبتي الّتي تتذمّرينَ منها )) .


      يجتازُ الأبنية ، لهاثهُ يشتدّ ، بضراوةٍ يدقّ قلبه ،

يباغتهُ السّعال، يبصقُ ، ينمو بداخلهِ حقدٍ على السّائقِ 

الذي يأبى دخول الشّارع .


         في مكانهِ المعهود يتوقّف ، بانتظارِ الحافلةِ ،

نفسه تطمئن ، لا بأس ، بإمكانه التقاط أنفاسه ،يداهمه

 السّعال :


– (( تعرفينَ نذالةَ السّائق .. لا ينتظر العمّال دقيقة

واحدة )) .


          يتلفّتُ ، مثانتهُ تنذر بالإنفجارِ ، والطّريق إلى

المشروعِ وعرٌ وطويلٌ :


– (( لمَ تتمنّعينَ يا”فاطمة” ماحيلتي ؟! .)) .


       ينظر في ساعته ، تأخر السّائق ، لاأحديحاسبه ،

شكاوى عديدة قدّمت بحقه، والمدير يقبل أعذاره ..

هكذا حال المسنود :


– (( أنا مثلكِ تألّمت يا ” فاطمة ” .. الحرمان دفع

أبننا إلى سرقةِ البرتقالة )) .


         الشّمس ترفل بقيودها خلفَ الغيوم الدّاكنة ،

يتناهى إلى أذنيهِ المتجمّدتينِ هدير سيّارة ، يشقُّ

أجفان الصّباح ، يحملقُ بقوّةٍ ، الأضواء تمنع عنه

الرؤية ، تتّجه نحو ارتعاشهِ بجنونٍ ورعونةٍ ..


     يتراجعُ ، تقفزُ خلاياه ، صرخاتُ الذّعر تتفجّرُ في

حدقتيهِ ، تهاجمُ السّيارة المتوحّشة الرّصيف بشراسةٍ

 تصعد نحوه بحقدٍ ، تطالهُ بصدمةٍ مميتة ، لا تسمحَ 

له بالانتفاض .


      يترجّل الفتى ، يرمقُ الجّثة بحنقٍ ، يبصقُ عليها

باحتقارٍ ، يركلها بحذائهِ اللامع ، ثمّ يطلقُ لساقيهِ

عنان الإبتعاد ، محتمياً بمكانةِ أبيهِ السّاطعة أكثر من

 سطوعِ شمس هذا الصّباح .


                      مصطفى الحاج حسين .




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق