( الصمت الطويل! )
~~~~~~~ ~~~~~~~~~~~~~~~~~~~~
ق. ق.
---------
قال لي:_
بقيتُ وفيًا لصديقي، لأنه كان من ألطف الناس، صديق بطعم أخ،مهما أصف مزاياه، لن أعطيه حقه، كان مثل ملاك بملابس إنسان.
أخبرته قبل أهلي بنيتي للخطبة، لكنه لم يحضر حفلة خطوبتي،فهو الوحيد من الأصدقاءالذي لم يحضر حفل الخطوبة، اتصل وبارك لي هاتفيا، واعتذر بأن قدم لي أسبابًا واهية لغيابه، فلم تقنعني، وبعدها كلما عاتبته هاتفيًا لعدم زيارته لي بعدها، كان يختلق الأعذار .
تفاجأت بأنه انتقل وسكن مدينة عمان، ليدرِّس في إحدى مدارسها،سافر وودعني هاتفيًا فقط.
اتصلت به عند زفافي، ودعوته لحضور سهرة العرس والحفل لكنه اعتذر عن حضوره مرة أخرى.
زعلت كثيرا عليه هذه المرة، لماذا يا صديقي؟
تعجبت لماذا يفعل هذا بي، كنت أعتبره أفضل لي من أخ.!
ذهبت بإعارة للتدريس في قطر برفقة زوجتي،ولم أعرف عنه شيئا بعد ذلك.
عدت بعد خمس سنوات إلى مدينتي اربد، وأنا معي طفل جميل أسميته باسمه.
علمت من أحد الأصدقاء المشتركين بعد عودتي، بأن صديقي
هذا حالته الصحية متدهورة، وهو يرقد في مستشفى الحسين للسرطان في عمان.
تأثرت كثيرًا للخبر، وقلت أعمل بأصلي، زرته في العناية المركزة بالمستشفى، مع تحذيري من الطبيب المناوب، أن لا أطيل المكوث عنده.
دخلت.. أف.. يا إلهي.. لم أعرفه!
تغير شكله، أكله السرطان الملعون.،وجدته جسمه متصلًا بالأجهزة. ابتسم وبكى لما رآني، وسألني عن أحوالي، قلت له:_سافرت إعارة للخارج، ورزقني الله طفلا رائعًا، وسميته باسمك، فمهما حصل فأنت أغلى الناس،نزلت دموعه، وأشار بهز رأسه، لأقترب منه، وأشار أيضًا لي أن أمد يدي نحوه. تفاجأت أنه مسك يدي وقبٌّلها!
سحبت يدي وقلت :_استغفر الله، لماذا فعلت هذا؟ ثم بصوته الواهن الضعيف راح يهمس بأذني قائلًا:_
أنت أوفى الأصدقاء، كم قصرت بحقك، ولكنك بقيت على العهد، لم تقاطعني بالسراء والضراء، لكن هناك موضوعًا أريد توضيحه...
أنا لن أطيل بالكلام، سأنهي قبل أن يخرجك الطبيب من هنا.
اسمعني أيها الحبيب..
راح وخلع ساعته، وقال:_لن يفيدني الوقت، هذه الساعة هدية مني لك، وتذكار لصداقتنا وأخوتنا، أعتقد انها هي أيضا بطاريتها في طريقها للتوقف.
عاد يقول:_
لنعد للوراء، حلمتُ بالزواج منها، وانتظرت حتى نتخرج أنا وهي من الجامعة، لأطلبها على سنة الله ورسوله.
أخذ صديقي يسعل، وهنا دخل الطبيب، وقال لي:_ إن سمحت.. اخرج، لقد تعب المريض.
قال صديقي:_أرجوك يا دكتور، دعه هي ثواني فقط، وهي وصية لي سأذكرها لصديقي، ثم عاد يكمل:_
منذ السنة الاولى بكلِّيتنا حيث كنت أنا وأنت لا نفارق بعضنا بعضًا،ومنذ السنة التي رأيت زميلتي بالكلية، كنت أراها من أجمل الطالبات،ليس هذا كل شيء، الأهم من هذا، ما كانت تتمتع به من رقة ولطف ورزانة، والكل يقر أنها آنسة محترمة لأبعد الحدود، كنت انتظر بفارغ الصبر تخرجي لأخطبها. أعجبتني جدًا، لكن لم أكلمها يوما ولم نلتق بتاتًا، وهي لحد الآن لا تعرفني.
لكن أيها الحبيب،قفز إليها شاب عفريت أوسم مني، وأيضًا كل الصفات عنده أفضل مني، سبقني لخطبتها( وابتسم ابتسامة شاحبة) .
مجرد أني علمت أنها ستتزوج ، انتقلت إلى عمان، لم تسعني البلاد كلها، وأخرجتها من قلبي، ودخل حب جديد إلى قلبي
أحبني وسيطر علي، إنه السرطان صديقي الملازم لي.
صدقني أني فرحت لزواجها، وتمنيت لها السعادة.
بكل صدق يا أعز الناس، كان اختيارها لزوجها صائبًا، فزوجها إنسان لا يتكرر، فهو أفضل مني بكثير.
أيها الصديق والأخ الحبيب...
فعلًا انت كنت جديرًا بها أكثر مني كزوج.
هل عرفت لماذا تهربت منك!
أرجوك.. أرجوك..
اعتن بها جيدًا..هذه ساعة يدي، انزعها، وخذها للذكرى، هدية مني لك، قد تكون متوقفة.
امتقع وجهه، وناديت الطبيب بسرعة، قاس نبضه، حاول أن يضغط على صدره عدة مرات، ثم توقف، وأسبل عيون صديقي، وقال:_البقاء لله.
سألني الطبيب:_من تكون له؟
ردت عليه دموعي.
مكثت عدة أيام وأنا في اكتئاب شديد، لكني تذكرت ساعة المرحوم، حركت زمبرك الساعة، العقارب راحت تتحرك والحياة إستمرت، لكن كلما ناديت ابني أراه أمامي..
___
نظير راجي الحاج

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق