جاردينيا.
-----------
بقلم الأديبة : عبير محمود أبو عيد.
فلسطين - القدس
--------------------
تَزَوَّجَ المُهَندِسُ الشّابُ عَبدُ اللهِ مِنَ الفَتاةِ الّتي يَحلُمُ بِها : رانِيا.
نَشَأَ في بَيْتِ عِزٍّ وَثَراءٍ وَجاهٍ أَمّا زَوجَتُهُ فَكانَتْ مِنْ طَبَقَةٍ مُتَوَسِطَةِ الحالِ. الكُلُّ بارَكَ هَذا الزَّواجَ السَّعيدَ ما عَدا وِدادُ شَقيقَةُ عَبدُ اللهِ الّتي لَمْ تَحضُرْ حَفلَ الزَّفافِ الّذي أُقيمَ في أَفخَمِ وأَكبَرِ فُندُقٍ في القُدْسِ.
وَكانَتْ رانِيا قَد وَفَّرَتْ لِزوْجِها الحَبيبَ كُلَّ أَسبابِ الرّاحَةِ وَهِيَ الّتي نَسَجَتْ في قَلبِها رِوايَةَ حُبٍّ وَعِشقٍ وَهُيامٍ لِعبدِاللهِ. وَكانَتْ ثَمَرَةُ هّذا الزَّواجِ ثَلاثَةُ أَولادٍ : رامي وَسامي وَشادي. وَكانَ شادي الابنُ المُدَلَّلُ لِرانِيا فَكُلُّ طَلَباتِهِ مُجابَةٌ. وَبَعدَ سِنينَ قَليلَةٍ مَرِضَ عَبدُ اللهِ بِداءِ السَّرَطانِ وَتُوُفِيَ بَعدَ سَنَةٍ. وَلكِنَّ رانِيا لَمْ تَستَسلِمْ لِلأَحزانِ، فَاستَطاعَتْ أَنْ تَعمَلَ كَمُشرِفَةٍ في مَدرَسَةٍ قَريبَةٍ مِنْ بَيتِها، فَهِيَ تَحمِلُ شَهادَةً جامِعِيَّةً. وَبَعدَ سَنَواتٍ طَويلَةٍ مِنَ التَّعَبِ، تَخَرَّجَ ابنُها رامي طَبيبَ أَطفالٍ وَسامي طَبيبَ جِراحَةٍ، أَمّا شادي، فَتَخَرَّجَ طَبيبَ عُيونٍ.
وَنَشَأَتْ بَيْنَ الطَّبيبِ شادي وَابنَةَ عَمِّهِ الطَّبيبَةِ مَيسونَ قِصَّةُ حُبٍّ تَحَدَّثَتْ عَنها كُلُّ أَسوارِ الجامِعَةِ، حَتّى وَصَلَتِ القِصَّةُ إِلى رانِيا الّتي طَلَبَتْ مِنْ شادي الابتِعادَ عَن مَيسونَ، وَهِيَ سَتَتَكَفَّلُ بِتَزويجِهِ مِنْ أَرقى بِنتٍ مِنْ بَناتِ العائِلاتِ. وَلَكِنَّ شادي لَمْ يُعِرْ كَلامَ أُمِّهِ أَيَّ اهتِمامٍ. وَبَينَ لَيلَةٍ وَضُحاها، كانَ يَكتُبُ كِتابُهُ عَلى مَيسونَ وَيَهرُبُ بِها إِلى مَدينَةٍ بَعيدَةٍ.
وَاَثمَرَ زَوَاجُ شادي مِنْ مَيسونَ وَلَدًا أَسماهُ عَبدُاللهِ عَلى اسمِ والِدِهِ وَابنَتانِ : رانِيا على اسمِ والِدَتِهِ وَجاردينيا عَلى اسمِ النَّبتَةِ الّتي زَرَعَتها أُمُّهُ في حَديقَةِ مَنزِلِهِمْ يَومَ وَلَدَتهُ.
وَكانَتِ السَّعادَةُ تُرَفرِفُ عَلى عائِلَةِ شادي وَهُوَ سَعيدٌ بِحُبِّ زَوجَتِهِ مَيسونَ وَبِحُبِّ عَبدُاللهِ وَرانِيا أَولادِهِ، أَمّا جاردينيا، فَهِيَ المُفَضَّلَةُ عِندَ والِدِها. كُلُّ أَوامِرِها مُجابَةٌ وَلَو طَلَبَتْ لَبَنُ العُصفورِ سَيُحضِرُهُ عَبدُاللهِ لَها. وَكانَتْ غُرفَتُها مَليئَةً بِاللُّعَبِ وَالهَدايا الثَّمينَةِ. وَاستَطاعَ شادي أَنْ يُوَفِّرَ مِنْ عَمَلِهِ وَيَأْخُذَ عائِلَتَهُ إِلى تُركيّا، البَلَدُ الّذي تُحِبُّهُ جاردينيا.
وَكَبُرَتْ جاردينيا وَأَصبَحَتْ فَتاةً في عُمرِ الزُّهورِ، وَالمُعَلِّماتُ يَشهَدنَ لَها بِالأَخلاقِ الرَّفيعَةِ وَالجَدِّ والاجتِهادِ، بَلْ وَبِالتَّمَيُّزِ. وَكانَتْ عَلاماتُها تُؤَّكِدُ دَومًا بِأَنَّها الأُولى لَيسَ فَقَطْ عَلى صَفَّها وَلَكِنْ عَلى المَدرَسَةِ كُلِّها.
وَفي يَومِ من أَيّامِ فَصلِ الشِّتاءِ البارِدِ، وَبَعدَ تَناوُلِ وَجبَةِ العَشاءِ، دَخَلَ شادي إِلى المَكتَبِ لِمُراجَعَةِ بَعضِ الأَوراقِ، وَذَهَبَتْ مَيسونُ لِعَمَلِ الشَّايِ الأَخْضَرِ لِزوجِها لِتَدفِئَتِهِ, أَمّا جاردينيا، فَلَقَد كانَتْ تَقرَأُ رِوايَةً مِنَ الرِّواياتِ العالَمِيَّةِ.
وَفَجأَةً، وَفي حَوالي العاشِرَةِ مَساءً، كانَ هُناكَ طَرقٌ مُخيفٌ وَشَديدٌ عَلى بابِ الدّارِ.
- شادي، مَنْ هذا الّذي يَطرُقُ عَلَينا البابَ في مِثْلِ هذا الوَقتِ المُتَأَخِّرِ؟
- لا تَخافي يا عَزيزَتي مَيسونُ، رُبَّما هُناكَ حالَةٌ طارِئَةٌ تَستَدعي ذَهابي إِلى المَشفى فَلا تَقلَقي.
وَأَسرَعَ شادي لِفَتحِ البابِ لِيَتَفاجَأَ بَأَخيهِ الكَبيرِ رامي أَمامَهُ.
- رامي، أَهلًا يا أَخي الغالي. كَيفَ عَرَفتَ أَنّي أَسكُنُ هُنا؟ تَفَضَّل أُعَرِّفُكَ عَلى زَوجَتي وَأَولادي.
- شادي، أَنتَ لا تَعرِفُ الّذي حَصَلَ. لَقَدْ ماتَتْ أُمّي رانِيا وَكانَتْ غاضِبَةً عَلَيكَ كَثيرًا وَدَعَتْ عَلَيكَ مِنْ قَلبِها.
- رامي، ماذا تَقولُ؟ أُمّي ماتَتْ وَهِيَ غاضِبَةٌ عَلَيَّ؟ الوَيلُ لي الوَيلُ لي. يا رَبْ سامِحني. انتَظِرني، سَأَذهَبُ لِتَبديلِ مَلابِسي وأَذهَبُ مَعَكَ لِحُضورِ جَنازَتِها.
- لا داعي يا شادي فَلَقَد تُوُفِّيَتْ قَبلَ يَومَينِ، وَكانَتِ الجَنازَةُ أَمسَ لِأَنَّها أَوصَتْ أَلّا تَحضُرَ جَنازَتَها وَلا تَزورَ قَبرَها. هذا ما حَصَلَ مَعَ السَّلامَةِ.
وَرَجَعَ رامي إِلى سَيَّارَتِهِ وَتَرَكَ شادي في حالَةِ ذُهولٍ، وَلَمْ يَعُدْ يُفَكِّرُ بِشَيءٍ، فَما حَدَثَ جَعَلَ عَقْلَهُ في حالَةِ شَلَلٍ. جَحَظَتْ عَيناهُ وَاستَدارَ نَحوَ مَيسونَ وَأَخَذَ يَضرِبُها بِكُلِّ ما أُوتِيَ مِن قُوَّةٍ. ثُمَّ ضَرَبَ ابنَهُ عَبدُاللهِ وَابنَتَهُ رانِيا ضَربًا مُبرِحًا. ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلى غُرفَةِ جاردينيا وَدَخَلَ وَأَقفَلَ البابَ. كانَ ضَربُهُ لَها بِالسَّوطِ عَلى جَميعِ أَنحاء جِسمِها. وَرَأَى مِكواةً، فَوَضَعَها بِالكَهرَباءِ، وَحَرَقَ يَدَيْ وَرِجلَيْ جاردينيا بِها وَهِيَ تَبكي وَتَصرُخُ مِنْ شِدَةِ الوَجَعِ وَالأَلَمِ.
وَفي اليَومِ التّالي، استَيقَظَ شادي غاضِبًا، وَذَهَبَ إِلى ابنِهِ وَطَلَبَ مِنهُ أَن يَجمَعَ ثِيابَهُ وَيَخرُجَ مِنَ البَيتِ. أَمّا ابنَتَهُ رانِيا، فَكانَتْ مَعَ والِدَتِها طَوالَ اللَّيلِ. وَجاءَتِ الشُّرطَةُ وَأَخَذَتْ شادي إِلى السِّجنِ. أَمّا جاردينيا، فَمِنْ هَولِ الصَّدمَةِ، شَرِبَتْ حُبوبًا مُنَوِّمَةً كَثيرَةً، وَتَمَّ نَقلُها بِسَيّارَةِ إِسعافٍ إِلى المَشفى وَعَمَلوا لَها غَسيلَ مَعِدَةٍ.
وَرَأَيْتُ جاردينيا صُدفَةً في المَشفى وَرَوَتْ لي قِصَّتَها، طَلَبْتُ مِنها أَنْ تَلتَفِتَ لِدِراسَتِها وَلَعِلْمِها وَتَنسى الماضي، فَاللهُ سُبحانَهُ وَتَعالى لَمْ وَلَنْ يَترُكَها. وَأَحضَرتُ لِجاردينيا ثِيابًا جَميلَةً وَأَحذِيَةً وَأَشياءَ أُخرى مِنْ أُناسٍ سَمِعوا قِصَّتَها مِنّي وَتَعاطَفوا مَعَها. وَكُنْتُ أَزورُها في المَشفى كُلَّ يَوْمٍ وَأُخَفِّفُ عَنها، فَتَرتاحُ لِوُجودي مَعَها.
وَبَعدَ حوالي السَّنَةِ، شاهَدْتُ جاردينيا صُدفَةً في شارِعِ صَلاحِ الدّينِ.
رَأَيتُ جاردينيا الأَنيقَةً الّتي تَضحَكُ. وَكانَتْ مَعَها مُشرِفَةً مِن مُشرِفاتِ بَيتِ الحَنانِ الّتي أَكَّدَتْ لي أَنَّ جاردينيا الآنَ في الصَّفِّ الحادي عَشَرَ، وَهِيَ ما زالَتْ الأُولى لَيسَ فَقَطْ عَلى صَفِّها، بَلْ عَلى مَدرَسَتِها كُلِّها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق