رَحيلُ النَّوارِسِ.
بقلم الأديبة والشاعرة : عبير محمود أبو عيد. فِلَسطين - القدس.
في أَواخِرِ السَّبعينياتِ مَنَ القَرنِ الماضي، رَجَعَتْ أَمَلُ إِلى البَيتِ عَصرًا, فَاليَوْمَ هُوَ آخِرُ يَوْمٍ في المَدرَسَةِ. كانَتْ في مُنتَهى السَّعادَةِ وَالسُّرورِ وَكَأَنَّها تَطيرُ مِنَ الفَرَحِ. فَلَقَدْ وَعَدَها والِداها بِقَضاءِ عُطلَةِ الصَّيفِ كُلِّهِا في لُبنانَ، هذا البَلَدِ الّذي تَسمَعُ عَنْهُ وَتَتَمَنّى السَّفَرَ إِليهِ.
وَسافَرَتْ أَمَلُ مَعَ والِديها إِلى لُبنانَ وَسَكَنَتْ في عِمارَةٍ شَيَّدَها الوالِدُ مِنْ عَرَقِ جَبينِهِ. كانَ بَيتُهُم في الطّابِقِ السّادِس، وَهِيَ تُحِبُّ الأَماكِنَ المُرتَفِعَةَ. وَزارَتْ أَمَلُ مُعظَمَ المُدُنِ والقُرى المَشهورَةِ في لُبنانَ، بِالإِضافَةِ إِلى الأَماكِنِ التّاريخِيَّةِ وَالدّينِيَّةِ وَالسِّياسِيَّةِ وَالأَدَبِيَّةِ والفَنِّيَةِ فيهِ مِثلَ : قَلعَةُ بَعَلَّبَكَ وَمَغارَةُ جَعيتا وَقَصرُ الأَميرِ فَخرِ الدّينِ وَكَنيسَةُ سَيِّدَةِ حَريصا وَبَيتُ الأَديبِ الرّاحِلِ جُبرانُ خَليلُ جُبرانُ في بشَرّي وَبَيتُ الفَنّانَةِ بَديعَة مَصابني في شتورا.
وَخِلالَ تَواجُدِها في بَيروتَ، تَعَرَّفَتْ أَمَلُ عَلى فَتاةٍ في مِثلِ عُمرِها تُدعى "بارِعَةُ"، وَهِيَ بِالفِعلِ بارِعَةٌ في أَخلاقِها وَأَدَبِها وَعِلمِها. وَلَقَدْ عَرَفَتْ أَمَلُ أَنَّ بارِعَةً مِنْ أُصولٍ فِلَسطينِيَّةٍ مِنْ يافا، وَهِيَ مِنْ عائِلَةِ البوريِّ المَشهورَةِ هُناكَ.
وَعُزِّزَتْ صَداقَةُ أَمَلٍ لِبارِعَةٍ من خِلالِ توثيقِ عُرى الأُلفَةِ وَالمَحَبَّةِ بَيْنَ عائِلَتَيِّ الصًّديقَتَيْنِ. وَكَثيرًا ما كانَتْ أَمَلُ تَنامُ في بَيْتِ بارِعَةٍ وَالعَكْسُ صَحيحٌ. وَفي يَومِ ذِكرى ميلادِ بارِعَةٍ، أَهدَتها أَمَلُ دُبًّا كَبيرًا أَحمَرَ اللَّونِ وَعَلَيْهِ قُلوبٌ بَيضاءُ. افتَخَرَتْ بارِعَةُ بِهَدِيَّةِ صَديقَتِها أَمَلُ أَمامَ عائِلَتِها وَأَقارِبِها وَصَديقاتِها في المَدرَسَةِ.
وَفي يَوْمٍ عاصِفٍ بِالأَحداثِ غَيرِ السّارَّةِ، اشتَدَّ القَصفُ عَلى المَنطِقَةِ الّتي تِسكُنُها أَمَلُ وَبارِعَةُ، فَأَسرَعَ الجَميعُ إِلى المَلاجِيءِ طَلَبًا لِلحِمايَةِ. أَسرَعَتْ أَمَلُ مَعَ والِديها إِلى مَلجَإِ العِمارَةِ المُجَهَّزِ بِكُلِّ شَيءٍ مِن كَهرَباءَ وَماءَ وَطَعامَ ... إِلخ مِنْ حاجاتِ البَيْتِ. وَشاهَدَتْ أَمَلُ صَديقَتَها بارِعَةُ، فَطَلَبَتْ مِنها أَنْ تَأْتِيَ مَعَها. وافَقَتْ بارِعَةُ دونَ تَرَدُّدٍ وَكانَتْ خائِفَةً كَثيرًا مِنَ القَصفِ العَنيفِ وَأَصواتِ الانفِجاراتِ تُدَوّي عَلى مَقرُبَةٍ مِنَ الحَيِّ.
وَما إِنْ وَصَلَتْ بارِعَةُ إِلى بابِ المَلجَإِ، حَتّى رَجَعَتْ إِلى العِمارَةِ الّتي تَسكُنُ فيها.
- بارِعَةُ، لِماذا تَعودي إِلى العِمارَةِ؟ أَسرِعي مَعي وَدَعينا نَدخُلُ إِلى المَلجَإِ.
- لا يا أَمَلُ، سَأَعودُ إِلى البَيتِ. لا تَقلَقي عَلَيَّ فَلَقَدْ نَسيتُ الدُّبَّ الأَحمَرَ هَدِيَّتُكِ لي. سَأُحضِرُهُ فَانتَظريني هُنا لَنْ أَتَأَخَّرَ.
وَقَبلَ أَنْ تَتَكَلَّمَ أَمَلُ، كانَتْ بارِعَةُ قَدِ اختَفَتْ عَنِ الأَنظارِ. وَفي أَقَلِّ مِنْ دَقيقَةٍ، سَمِعَتْ أَمَلُ صَوتَ صاروخٍ وَدَوِيَّ انفِجارٍ هائِلٍ عَلى مَقرُبَةٍ مِنها. ارتَدَّتْ أَمَلُ إِلى الوَراءِ قَليلًا، وَلَكِنْ سَرعانَ ما تَبَيَّنَ لَها أَنَّ الصّاروخَ نَزَلَ عَلى العِمارَةِ الّتي تَسكُنُ فيها بارِعَةُ مَعَ والِديْها. وَهُنا أَطلَقَتْ أَمَلُ صَرخَةً : "بارِعَة" سَمِعَها كُلُّ سُكّانِ الحَيِّ. كانَتْ صَرخَةً موجِعَةً وَمُؤلِمَةً إِلى أَبعَدِ الحُدودِ.
وَاليَومَ هُوَ جَنازَةُ الشَّهيدَةِ : "بارِعَةُ البوريِّ" بِمُشارَكَةِ جَميعِ أَهالي الحَيِّ. لَقَدِ استَطاعَ فَريقُ الإِسعافِ جَمعَ أَشلاءِ بارِعَةٍ مَعَ الدُّبِّ الّذي كانَتْ قَد أَحضَرَتهُ مِنْ بَيتِها. وَلَمْ تَحضُرْ أَمَلُ جَنازَةَ صَديقَتِها، فَهِيَ في المَشفى. لَقَدْ أُصيبَتْ بِانهِيارٍ عَصَبِيٍّ حادٍّ بَعدَما فَقَدَتْ صَديقَتَها أَمامَ عَينَيها.
وَزارَتْ والِدَةُ بارِعَةٍ أَمَلَ في المَشفى وَبَكَتْ بِدموعٍ حارَّةٍ فَأَمَلُ هِيَ بارِعَةٌ وَبارِعَةٌ هِيَ أَمَلُ.
- خالَتي، أَينَ هِيَ بارِعَةٌ؟ لِماذا لَمْ تَحضُرْ مَعَكِ؟ عودي إِلى البَيتِ وَأَحضِري بارِعَةُ صَديقَتي مَعَكِ. أُريدُ رُؤيَةَ حَبيبَتي بارِعَةُ، وَأَخبِريها أَنْ تُحضِرَ الدُّبَّ الأَحمَرَ مَعَها. بارِعَةُ يا روحي، أَينَ أَنتِ وَلِماذا غِبتِ عَنّي؟ لا تَرحَلي وَتَترُكيني. أَرجوكِ عودي يا فَراشَةَ فُؤادِيَ الجَميلَةَ.
وَكانَتْ أَمَلُ تَظَلُّ تَصرُخُ وَتُنادي عَلى بارِعَةٍ وَلا تَهدَأُ إِلّا بَعدَ أَنْ يَحقِنَها الطَّبيبُ بِإِبرَةٍ مُهَدِّئَةٍ، فَتَنامُ لِساعاتٍ طَويلَةٍ.
وَبَعدَ أَكثَرَ مِنْ شَهرٍ، شُفِيَتْ أَمَلُ وَعادَتْ مَعَ والِديْها إِلى القُدسِ. سَمَحوا لَها بِأَخذِ الدُّبِّ الأَحمَرِ مَعَها لِيَظَّلَ ذِكرى رَحيلِ النَّوارِسِ. تَرَكَتْ أَمَلُ جَسَدَ بارِعَةٍ في بَيروتَ، أَمّا روحُ بارِعَةٍ، فَهِيَ ما زالَتْ أَمَلُ تَراها في كُلِّ عامٍ في الأَوَّلِ مِنْ تَموزَ، وَهُوَ ذِكرى ميلادُ بارِعَةٍ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق